الأربعاء، 23 أكتوبر 2013

التصميم الأكبر

أنتهيت للتو من قراءة الكتاب الأخير للفيزيائي الأشهر - ستيفن هوكنج – والذي كتبه بالمشاركة مع ليونارد ملودينوف الفيزيائي بكالتك، يبدآن الكتاب بطرح ثلاثة أسئلة محورية:

  • لماذا يوجد أي شئ بدلاً من العدم المطلق
  • لماذا نوجد نحن
  • لماذا هذه المجموعة بعينها من قوانين الطبيعة هي التي تحكم الكون الذي نحيا فيه The_grand_design_book_coverوليس مجموعة سواها

أعلم أن القارئ العربي غير مدرب على مثل هذا الطرح ولذا دعوني أمهد بوضع الأسئلة في سياقها الحضاري والتاريخي في الحضارة الغربية، ينطلق السؤال الأول من تساؤل قديم قدم الفلسفة اليونانية، وهي الاحتياج لسبب أول للوجود .. إذ أن الأصل في الوجود هو العدم والفراغ المطلق الخالي من كل شئ (أو هكذا تصوره الفلاسفة حينها) وبالتالي لابد من سبب لأن يصبح هناك شئ؛ سبب يمنح الأشياء وجودها وهكذا اختلفت التصورات والفلسفات والديانات في الاجابة على هذا السؤال عبر التاريخ ولكن يظل السؤال في صياغته تلك مرتبطاً أكثر بالمدافعين المسيحيين في الفكر الغربي عن فكرة الأله والذين يسموَّن – على نحو استهجاني من معارضيهم – بالاعتذاريين المسيحيين Christian apologists.

للإجابة على تلك الأسئلة ينطلق الكاتبان في رحلة مثيرة وممتعة عبر تقدم المعرفة العلمية على نحو سهل المسلك للقارئ العادي منذ اليونان القدامى حتى علم الكونيات الحديث. وكما هو معتاد في مثل هذه الاطلالات السريعة يركز الكاتبان على المعالم الرئيسية في التاريخ العلمي الحديث.

أولى هذه المعالم البارزة هي ادراك الأيونيين القدامى ان العالم محكوم بقوانين – تكرار الظواهر على نحو يسمح بالتنبؤ بها – بدلاً من خضوعه لنزوات آلهة الأوليمب وتلاعبهم بأقدار البشر كما تعكسه الأساطير اليونانية القديمة؛ هذا الادراك جرياً على التقليد الغربي في التأريخ المعرفي يعد في نظر الكاتبان البداية الحقيقية للعلم.

المعلم الثاني البارز الذي توقف عنده الكاتبان هو ما يسمى بالثورة الكوبرنيقية – وهي اكتشاف كوبرنيكوس أن الأرض ليست مركز الكون كما كان يُعتَقَد سابقاً وهذا فتح الباب للاسكتشاف الحقيقي للظواهر الكونية بربطه الاستنتاج العلمي بالمشاهدات والملاحظات التجريبية باعتبارها المعيار في الحكم على صحة الأفكار والاعتقادات عن الكون. 

ومضى كل شئ في تقدم مستمر – خطي لو جاز التعبير- عن طريق زيادة الدقة واكتشاف قوانين جديدة لا تختلف في منطلقاتها الأساسية عن مجموعة المبادئ العلمية التي أسست للعلم الحديث حتى جاء القرن العشرين بمجموعة من الصدمات التي هزت أركان الفكر العلمي واسلوب التفكير ذاته. جاءت الصدمة من تخصصين ناشئين الاول هو ميكانيكا الكم التي تتعامل مع دراسة الذرات والجسيمات الأصغر والثانية جاءت من النظريتان النسبية الخاصة والعامة والتي تشكل حتى الآن أفضل فهم متاح للجاذبية؛ تصدر هذان التخصصان المشهد في تغيير فهمنا للقوانين الكلاسيكية التي تحكم الكون والتي بالرغم منذ لك - كما يؤكد الكاتبان - لا زالت تحكم حياتنا اليومية ويمكن استخدامها في الحسابات بدقة فيما خلا التعامل مع الظواهر الصغيرة جداً (عالم ميكانيكا الكم) والكبيرة جداً (عالم النظرية النسبية العامة).

يشرح المؤلفان ميكانيكا الكم بطريقة سهلة وواضحة في لغة غير تقنية مستخدمين صياغة طورها اسطورة الفيزياء ريتشارد فاينمان والتي أسماها (الجمع عبر التواريخ). تعد صياغة فاينمان لميكانيكا الكم احدى الطرق المبتكرة في تناول الجانب المعضل في الظواهر الذرية وما دون الذرية وهي الاحتمالات. فمثلاً اذا تحرك الالكترون من حيث انت الآن الى باب الغرفة طبقاً لميكانيكا الكم لا يمكن تحديد دقيق لموقعه وسرعته في نفس الوقت، هناك عدم تحديد جذري لا يمكن التخلص منه ولا علاقة له بدقة القياس وتقوم ميكانيكا الكم بتحديد الاحتمالات الأغلب عن موقع الالكترون، ما ابتكره فاينمان هو انه يمكنك حساب هذا الاحتمال عن طريق جمع كل الاحتمالات الممكنة التي يمكن أن يصل بها الالكترون للباب من مكانك الحالي. يمكن ان يتحرك في خط مستقيم أو في دوائر متعددة قبل أن يصل الى الباب وربما وان كان احتمالاً غاية في الضآلة أن يذهب في رحلة خاطفة الى المريخ قبل أن يرجع الى باب غرفتك !!

بعد بناء هذه الأرضية، ينتقل هوكنج وملدينوف الى جوهر الكتاب، كيف يمكن الجمع بين نظرية الكم الاحتمالية وبين النسبية العامة الحتمية؟ وكيف أن هذا الجمع يمكنه ان يلقي الضوء على فهمنا لكيفية نشأة الكون ( وربما اكوان أخرى) من لا شئ. يمكن القول بأن أفضل وصف حالي موجود لفيزياء ذلك الحدث –كما يخبرنا المؤلفان- هي نظريات إم، وإم هنا اختصار لما أطلق عليه مبدعها الرياضي الفيزيائي (اللغز Mistery). تتنبأ النظريات تلك (لأن لها أكثر من نسخة وصياغة) بأن الكون الذي نحن فيه ربما لا يكون الكون الوحيد الموجود وانما يوجد عدد هائل من تلك الأكوان.

النتائج التي تستتبعها تلك النظريات تهز في جوهرها كل ما ألفناه عن الكون، اذ من بين كل الأكوان التي يمكن أن توجد لابد وأن يوجد عدد منها تسمح قوانينه بالحياة وتكوين الكواكب. وحقيقة أننا هنا فعلاً تخبرنا أن في هذا الركن من (الأكوان المتعددة) أحد هذه الأكوان التي يمكن لنا أن نوجد فيها وبهذه الطريقة كل أسئلة الأصول الأولى يمكن الاجابة عنها. 

الحري بالقول أن النظرية مبنية على افتراض رياضي لم يتم التحقق منه تجريبياً كما أن النتائج المترتبة عليه من مسألة تعدد الأكوان لا يوجد حتى الآن طريقة تجريبية للتحقق منها.

اللافت أن مؤلفا الكتاب نجحا في شرح مفاهيم شديدة الصعوبة رياضياً وبدرجة من التبسيط يحسدا عليها ولم يلجئا لمعادلة واحدة في الكتاب الذي امتدت صفحانه عير 288 صفحة.  

هناك تعليقان (2):

  1. كثيرا ما كنت و لا ازال اتخيل عوالم اخرى وافرض الفروض اطرح التساولات اهمها إذا وجد عالم اخر و به البشر هل متطورين اكثر منا عقليا ام جسمانيا ام الاثنين كما تصور لنا الافلام الخياليه هل يمثلون أذى لنا على كوكبنا ام نحن من يقوم بالإذاء والهمتني قراءه افكارك السابقه ان طبيعة العقل البشري يميل إلى الخيال و الهروب من الواقع الذي يعيشه و يميل إلى الفضول و الخوف المستمر من المجهول و اجمل ما في عقل كل إنسان الابحار بعقله الى مايحب و يتمني و هذا أجمل ماأعطته الينا الحياة و لابد الاستمتاع بذلك .

    ردحذف
    الردود
    1. تعليقك شديد الأهمية وأوحى لي بفكرة المقال الآتي .. هناك معادلة يستخمها العلماء باسم معادلة دريك لحساب احتمال وجود حضارات أخرى في الكون وهناك معهد كامل قائم على فكرة البحث عن الذكاء خارج الأرض SETI Search

      حذف