الأحد، 10 نوفمبر 2013

في أصل التعاون ومعضلة السجين

إحدى المشكلات التي واجهت علماء الأحياء والاجتماع هي مشكلة كيف نشأ التعاون كسلوك تكيفي بين أفراد أنانيين فكل الكائنات الحية أنانية بالمصطلح البيولووجي بمعنى ان نجاحها يتطلب البقاء على قيد الحياة فترة طويلة وبصحة جيدة وايضاً في حالة لائقة بحيث يمكنهم التكاثر على أكبر نحو ممكن وبالتالي فان الاحياء يتحاربون ويخدعون ويقتلون بعضهم البعض تنافساً لتحقيق تلك الاهداف. يقتضي المنطق اذن كنتيجة لذلك  أن البقاء والنجاح في التكاثر سيكون للأكثر أنانية وحفاظاً على نفسه على حساب الآخرين وان هذه الخصائص ستورث وستزداد انتخاباً عبر الأجيال المتتابعة.
بالرغم من هذا الاستنتاج المنطقي – في ضوء الانتخاب الذي تمارسه ضغوط شحة الموارد والطبيعة من أجل البقاء – هناك أمثلة تقع على الطرف النقيض تماما من هذا السلوك المتوقع في مختلف الأصعدة الحية والاجتماعية، بداية من أبسط الحالات نجد ان مجموعات من الكائنات وحيدة الخلية تشترك معاً في تكوبن كائن متعدد الخلايا، وفي النمل مثلاً لا نجد فقط أن النمل يتعاون معاً لمصلحة المستعمرة بل انهم تنازلوا طوعاً عن التكاثر  وتركوا هذا الحق للملكة فقط والكلام نفسه ينطبق على النحل و تستمر الامثلة ظهوراً كلما صعدنا في سلم الارتقاء الى الكائنات الاكثر تعقيداً وصولا للمجتمعات الانسانية نفسها.
واجه علماء الأحياء والاجتماع والسياسة هذا السؤال عبر العديد من المحاولات “كيف يمكن للتعاون أن ينشأ بين أفراد هم غريزياً انانيون؟ ” هذا السؤال ليس فقط مهم لقيمته العلمية ولكن لما لاجابته من انعكاسات مهمة على مستقبلنا كبشر على هذه الأرض ابتداءاً من إقرار فكرة التعايش المشترك في أمة واحدة والسيطرة على انتشار الأوبئة الى التعاون من أجل حل مشكلات مشتركة بين جميع الأفراد على الكوكب مثل مشكلة السلاح النووي ومشكلات البيئة والاحترار الكوكبي الذي يهدد كل أشكال الحياة على الأرض.

معضلة السجين

في الخمسينيات من القرن الماضي وفي أوج الحرب الباردة فكر العديد من الحكماء في الطرق التي يمكن بها احتضان وتكريس التعاون بين الدول الأعداء بما يمنع وقوع حرب نووية تقضي على الكل. في بداية 1950 طرح رياضيان (ميرين فلود وملفن دريشر) يعملان في نظرية التنافس والألعاب ما أسمياه معضلة السجين كنموذج مبسط للحالة التي يمكن فيها تطوير التعاون بين طرفين أعداء بدون وجود سيطرة خارجية عليهم.
عادة ما تصاغ معضلة السجين على النحو التالي:
هب ان هناك اثنان (سين وصاد) تم القاء القبض عليهما عقب اشتراكهما في ارتكاب جريمة معاً ووضع كل منهما في زنزانة منفصلة ليتم التحقيق معهما كلاً على حدة. كل من سين وصاد عُرِضَ عليه أن يدلي بشهادته ضد رفيقه في مقابل التخلي عن اتهامه هو واطلاق سراحه. اذا وافق سين على الادلاء بشهادته سوف يطلق سراحه وسوف يسجن صاد سجن مؤبد. ولكن اذا رفض سين أن يشهد ضد صاد ووافق صاد على الشهادة ضده سوف ينعكس الوضع ويسجن سين مدى الحياة بينما يتحرر صاد. اما اذا شهد الاثنان كل منهما ضد الآخر فسوف يسجنان معاً ولكن مدة أقل لاشتراكهما في التهمة ولنقل عشر سنوات. بينما كل من سين وصاد يعلمان انهما لو تمسكا بالصمت ولم يشهد أحدهما ضد الآخر فسوف يأخذ كل منهما حكماً بخمس سنين لعدم وجود أدلة كافية لتوجيه اتهام أكبر.
الآن يطالب البوليس كل واحد مهما ان يأخذ قراره الآن وبدون أي اتصال بينهما، اذا كنت مكان سين ماذا ستفعل؟
ربما ستتبع الخط التالي في التفكير: إما أن صاد سوف يسكت أو يشهد ضدك وانت لا تعلم ايهما سيفعل لنفرض انه يخطط ان يشهد ضدك اذن من الأفضل أن تشهد أنت أيضا ضده (عشر سنين في مقابل مؤبد) واذا كان لا ينوي ان يشهد ضدك فربما من الأفضل أن تشهد ضده أيضاً (براءة في مقابل خمس سنين). يبدو أن في الحالتين الأفضل لك أن تشهد ضده، المعضلة الحقيقية ان صاد سوف يتبع نفس الخط في التفكير مما سينتج عنه أن كلاً من سين وصاد سوف يشهدان ضد بعضهما (عشر سنين لكل واحد) بينما لو ظل كل واحد منهما صامتا لكانت العقوبة (خمس سنين) فقط.
هذه هي مفارقة السجين، أن القرار الذي يقودك اليه المنطق في مصلحتك الشخصية لو اتخذه كل الأطراف المتنافسة أو المتعارضة سوف يعود في النهاية على الكل بنتائج أوخم من التي ستنشأ لو تعاون الأطراف، أو كما عبر عنها عالم السياسة روبرت أكسلورد “ان الحرص على المصلحة الشخصية في المواقف التنافسية يؤدي لنتائج سيئة على المجموع” ان هذه المفارقة او المعضلة تنطبق بشكل كامل على اي مجموعة من الافراد التي بحرصها الاناني على تحقيق مصلحتها الخاصة سوف تعود على المجموع بنتيجة أسوأ وهو ما اسماه الاقتصادي جاريت هاردن في صيغة شهيرة “مأساة العوام
لقد خضعت معضلة السجين وتنويعات لها لدراسات عديدة وكانت النتائج مفيدة وغيرت الكثير من تفكير متخذي القرار في المؤسسات ورجال الأعمال والحكومات (ربما لم تصل لنا بعد في عالمنا العربي) وعادة ما يتم صياغة المشكلة على هيئة لعبة والتي حسب نظرية الألعاب الرياضية يمكن صياغتها في صورة جدول المردود والذي يتضمن قيمة المردود على كل من اللاعبين في كل القرارات التي يمكن أن يتخذاها مستقلين ( بدون معرفة كل منهما لقرار الآخر أو اتفاق مسبق بينهما) كما هو موضح في الجدول التالي في حالة معضلة السجين التي تم شرحها سابقاً:
سين يشهد
صاد يشهد
سين يشهد
صاد يتعاون
سين يتعاون
صاد يشهد
سين يتعاون
صاد يتعاون
15 25 0 20 مردود سين
15 0 25 20 مردود صاد
هنا الهدف هو تحقيق أكبر مردود ممكن للمجموع والدورة الواحدة من اللعبة تتكون من اتخاذ كل لاعب مستقلاً قرار اما ان يتعاون (لا يشهد) أو أن يشهد بدون معرفة قرار الطرف الآخر. بمعنى أنه عند كل مرة من طرف السؤال على كل منهما بدون اتصال بينهما كل واحد منهما سوف يتخذ قراره اما أن يشهد ضد زميله أو يظل صامتاً. اذا قرر كل منهما ان لا يشهد (يتعاون) كل واحد سيأخذ 20 نقطة (مؤبد – 5سنين) أما اذا قرر سين أن يتعاون بينما قرر صاد أن يشهد ضده سوف يحصل سين على مؤبد (مؤبد – 25 = 0) بينما سيحصل صاد على براءة (25) والعكس بالعكس في حالة انعكاس الأدوار أما لو قرر كل منهما أن يشهد ضد الآخر فسوف يحصل كل منهما على (مؤبد – 10 = 15) نقطة. كما ذكرنا سابقاً لو كانت اللعبة لمجرد مرة واحدة فان القرار المنطقي من باب الحرص على المصلحة الشخصية أن كلاً منهما سيشهد ضد الآخر ولكن اذا تم تكرار اللعبة فان المحصلة النهائية أن الاثنان لو شهد كل منهما في كل دور سوف يحققان مردودا أقل بكثير من الاختيار الأول وهو أن يتعاونا. يكمن السؤال كيف ينشأ التعاون من التكرار والتعلم من التجربة السابقة؟
وسوف نستكمل طرح الحلول المختلفة في القريب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق