الاثنين، 11 نوفمبر 2013

عن أصل التعاون مرة أخرى -1-

روبرت أكسلورد كان قد حصل على بكالوريوس في الرياضيات قبل أن يحصل على دكتوراة في العلوم السياسية وهو يعمل حالياً أستاذاً للعلوم السياسية في جامعة ميتشيجان درس لسنوات عديدة معضلة نشأة التعاون وأصوله التكيفية مهتما بالصيغة التي ذكرناها في المقال السابق لمعضلة السجين باعتباها حالة مجردة وبسيطة من أشكال النزاع أو اللعبة بين طرفين. بدأ أكسلورد بدراسة المعضلة خلال الحرب الباردة قلقاً من نشوب حرب نووية أو تصعيد متبادل في سباق التسلح (وهو ما حدث فعلاً وانتهى بانهاك أحد الطرفين اقتصاديا وانهياره) كان السؤال الذي طرحه “تحت أي ظروف سوف ينشأ التعاون في عالم من الأنانيين بدون سلطة مركزية؟” يذكر أكسلورد أن فشل أشهر الاجابات التاريخية على هذا السؤال كان هو محركه الأساسي لرفض فكرة فرض التعاون من قبل سلطة خارجية.
كانت الاجابة التي يقصدها هي تلك التي طرحها الفيلسوف الانجليزي توماس هوبز منذ ثلاثة قرون والتي استنتج فيها أن التعاون يمكن ان يتطور فقط تحت وطأة سلطة مركزية تفرضه على الجميع. مرت الثلاثة قرون (والعديد العديد من الحروب) وظلت الاجابة كما هي، وكما صاغها أينشتين في حلمه الطوبوي أن الحل الوحيد لضمان السلام هو وجود حكومة عالمية موحدة وهو ما تم على اساسه تشكيل عصبة الأمم المتحدة ومن بعدها منظمة الأمم المتحدة بلا أي نتيجة ملموسة من الحفاظ على السلام العالمي أو تنظيم التنافس بين المصالح القوميةللأمم المختلفة. ولذا وكنتيجة للفشل التاريخي لهذا الحل تسائل اوكسلورد كيف يمكن أن ينشأ التعاون عن طريق آخر بدون وجود تلك السلطة المركزية وهو ما سوف أحاول تغطيته في المقال الحالي.

نشأة وتطور التعاون

في البداية ولكي نستعيد تلخيص المعضلة أو المفارقة فهي ببساطة لو أن كلاً من الطرفين وسوف نسميهما من الآن فصاعداً اللاعبين اهتم فحسب بمصلحته الشخصية بأنانية فسوف يقود هذا  التفكير بمعزل عن استراتيجية الطرف الآخر الى نتيجة أسوأ من التي كان يمكن أن تنتج عن تعاونهما معاً.
كان السؤال الذي طرحه أكسلورد ماذا لو كانت هذه اللعبة ممتدة ومتكررة هل يمكن ان يتبنى اللاعب استراتيجية تقود في النهاية لنشأة التعاون كبديل؟ وفي هذه الحالة ما هي الشروط التي في ظلها سوف ينشأ هذا التعاون؟ وهل يمكن أن يستمر هذا التعاون ويصمد أمام استراتيجيات أخرى أنانية؟ كان أكسلورد مقتنعا أن استكشاف الاستراتيجيات المختلفة التي يمكن ان يتبعها اللاعبون في لعبة السجن المتكررة يمكن ان يلقي الضوء على الظواهر المعقدة التي تلعب دوراً في السياسة الدولية والعلاقات الاجتماعية بل وحتى في عالم الأحياء.
The Evolution of Cooperationنشر أكسلورد ملخص عمله خلال ما يربو على عشرة أعوام من الأبحاث في كتابه الشديد الشهرة (تطور التعاون Evolution of Cooperation) في عام 1984 والذي سوف نحاول في هذا الجزء والجزء التالي أن نلخص أهم ملامحه.
يبدأ أكسلورد بالتنبيه على أنه يستخدم معنى كلمة التطور والارتقاء Evolution ليس بالمعنى البيولوجي البحت ولكن بالمعنى الاستراتيجي؛ من باب التمهيد للفكرة تخيل طريقة الانتخاب الاصطناعي الذي يتبعه المهجنون ومربو السلالات الحيوانية عندما يريدون تعزيز صفة وراثية بعينها فانهم ينتقون الأب والأم ممن لديهم هذه الصفة ويستمر هذا الانتخاب لتعزيز الصفة المطلوبة عبر الأجيال المتتابعة من الابناء، هذا مشابه لنفس فكرة أكسلورد عن التفكير بنسق تطوري ولكن في سياق اختيار الاستراتيجيات تخيل مثلا عضو مجلس شعب انتُخِب ولم يقدم أي شئ في الدورة التي نجح فيها لأهل دائرته ولا للبلاد فمن غير المرجح أن ينجح مرة أخرى في الانتخابات (وهذا المثال الذي ضربه هو نفسه في الكتاب) ويندرج نفس الشئ على الاستراتيجات المختلفة التي يتبناها لاعبوا معضلة السجين المتكررة؛ فلابد أن الاستراتيجية الناجحة سوف يتم انتخابها عبر الدورات المتكررة للعبة وبقدر نجاح الاستراتيجية بقدر تمسك اللاعب بها والاستمرار عليها المهم هنا أن ما يتعرض للنجاح او الفشل ليس الشخص بذاته بل الشخص باعتباره تجسيداً للاستراتيجية سواءاً كان هذا الشخص عاقلاً أو مجرد فاعل غير عاقل في وضع تنافسي مثل الخلايا التي تتنافس على الموارد أو المؤسسات التجارية التي يتخذ فيها القرار مجموعه من الافراد الذين يضعون تصوراً محددا غير فردي لمصلحة المؤسسة أو الحكومات في العلاقات الدولية.
النقطة الثانية المهمة التي ركز عليها أكسلورد أن اللعبة ليست محدودة في الوقت .. فأي من اللاعبين لا يعرف متى ستنتهي ولا اذا كانت ستنتهي أم لا لأنهم لو كانوا يعلمون متى ستنتهي فان هذا سوف يقضي على كل احتمالات نشوء التعاون بين الأطراف المتنافسة.
قام أكسلورد بتبني اسلوب جديد حينها لدراسة المشكلة وهي استخدام المحاكاة الحاسوبية في المشكلات السياسية فقد طرح الفكرة كمسابقة حاسوبية يقوم فيها رياضيون وعلماء اجتماع بتقديم استراتيجياتهم المقترحة على شكل برنامج كمبيوتر ويقام دورة بين اللاعبين (البرامج) بحيث يلعب كل واحد منهم مع كل اللاعبين الآخرين وفي النهاية يتم تحديد أفضل الاستراتيجيات التي نتج عنها التعاون بغض النظر عن سلوك اللاعب المقابل وموقفه.
ما يركز عليه أكسلورد وما وضعه كقواعد لهذه الجولة الأولى من اللعبة والتي أسماها معضلة السجين المتكررة Iterated Prisoner Dilemma نورده في النقاط الآتية:
  1. لا يوجد طريقة يمكن بها أن يهدد أو يجبر لاعب لاعباً آخر على خطوة بعينها ولكل لاعب حرية اختيار كاملة للاستراتيجية التي سيتبناها
  2. لا يمكن للاعب أن يعرف الخطوة التي سيأخذها اللعب في الطرف المقابل ولذا لا يمكن مثلا اتباع استراتيجية مثل “ افعل نفس الخطوة التي سوف يلعبها الخصم”
  3. لا يمكن للاعب الانسحاب من اللعبة أو اقصاء اللاعب الآخر ( لا بديل عن استكمال اللعبة سواء بالتعاون أو بالأنانية)
  4. لا يمكن للاعب أن يغير المردود المحدد سلفا للاعب آخر فلا يمكن تغيير قيمة الخمس أو العشر سنين للاعب الخصم تحت أي ظرف.

طبقاً لهذه الشروط لا يوجد طريقة للتفاعل بين اللاعبين الا عن طريق اللعبة واتخاذ خطوات اللعب فقط. ما يجعل نشأة التعاون ممكنة هو حقيقة أن اللاعبين أ و ب مثلاً يمكن أن يتقابلا مرة أخرى هذا الاحتمال يعني أن الاختيارات التي سوف يأخذها لاعب ما اليوم لن تحدد فقط الناتج الحالي للعبة ولكن سوف تؤثر كذلك على الاختيارات المستقبلية للاعبين أو كما عبر عنها اكسلورد “ ان المستقبل يلقي بظله على الحاضر” ولكن المستقبل ليس له نفس أهمية القرار الحالي لسببين أولهما: أن الاعبين يعطون قيمة أقل للمكسب المستقبلي منه للمكسب الحاضر والسريع والسبب الثاني ان هناك دائما احتمال ان لا يتقابل اللاعبان مرة أخرى.  لهذه الأسباب لا يمكن أن يكون المردود من خطوة مستقبلية مساوياً للمردود من الخطوة الحالية ولذا وضع اكسلورد قيمة ما يسمى معامل الخصم المستقبلي والذي يمثل أهمية أو وزن الخطوة المستقبلي في مقابل نفس الخطوة لو اتخذت في الوقت الحالي فمثلاً في أول اللعبة لو فرضنا ان اللاعب أ قرر أن يشهد ضد اللاعب ب ( يتصرف بأنانية) سوف يكون مردود الخطوة عليه مثلاً 10 نقاط أما لو اتخذ نفس الخطوة في المرة الثانية في نفس اللعبة سوف يكون مردودها عليه هو ع*10 حيث ع هو قيمة معامل الخصم. اذا فرضنا أن اللعبة ستمتد لما لا نهاية فان مجموع المردود من اتخاذ نفس القرار على التوالي الى ما لانهاية سيكون 10 مقسوما على (1-ع) وبالتالي لو فرضنا أن ع = 0.9 فان المردود الاجمالي من اتخاذ نفس خطوة الانانية الى ما لا نهاية سيكون هو 100 = 10/0.1.
في ظل هذه الشروط وطريقة حساب المردود كان دائماً الرابح هو سياسة (المثل بالمثل) بمعنى في أول اللعبة تعاون ثم بعد ذلك افعل تماما نفس الخطوة التي اتخذها اللاعب المقابل في الخطوة السابقة اذا شهد ضدك اشهد ضده اذا تعاون تعاون.
وسوف نستكمل عرض معنى هذه النتائج وامتداداتها لمجالات مختلفة من الحياة والسياسة وفلسفة الحكم في المقال القادم.

الأحد، 10 نوفمبر 2013

في أصل التعاون ومعضلة السجين

إحدى المشكلات التي واجهت علماء الأحياء والاجتماع هي مشكلة كيف نشأ التعاون كسلوك تكيفي بين أفراد أنانيين فكل الكائنات الحية أنانية بالمصطلح البيولووجي بمعنى ان نجاحها يتطلب البقاء على قيد الحياة فترة طويلة وبصحة جيدة وايضاً في حالة لائقة بحيث يمكنهم التكاثر على أكبر نحو ممكن وبالتالي فان الاحياء يتحاربون ويخدعون ويقتلون بعضهم البعض تنافساً لتحقيق تلك الاهداف. يقتضي المنطق اذن كنتيجة لذلك  أن البقاء والنجاح في التكاثر سيكون للأكثر أنانية وحفاظاً على نفسه على حساب الآخرين وان هذه الخصائص ستورث وستزداد انتخاباً عبر الأجيال المتتابعة.
بالرغم من هذا الاستنتاج المنطقي – في ضوء الانتخاب الذي تمارسه ضغوط شحة الموارد والطبيعة من أجل البقاء – هناك أمثلة تقع على الطرف النقيض تماما من هذا السلوك المتوقع في مختلف الأصعدة الحية والاجتماعية، بداية من أبسط الحالات نجد ان مجموعات من الكائنات وحيدة الخلية تشترك معاً في تكوبن كائن متعدد الخلايا، وفي النمل مثلاً لا نجد فقط أن النمل يتعاون معاً لمصلحة المستعمرة بل انهم تنازلوا طوعاً عن التكاثر  وتركوا هذا الحق للملكة فقط والكلام نفسه ينطبق على النحل و تستمر الامثلة ظهوراً كلما صعدنا في سلم الارتقاء الى الكائنات الاكثر تعقيداً وصولا للمجتمعات الانسانية نفسها.
واجه علماء الأحياء والاجتماع والسياسة هذا السؤال عبر العديد من المحاولات “كيف يمكن للتعاون أن ينشأ بين أفراد هم غريزياً انانيون؟ ” هذا السؤال ليس فقط مهم لقيمته العلمية ولكن لما لاجابته من انعكاسات مهمة على مستقبلنا كبشر على هذه الأرض ابتداءاً من إقرار فكرة التعايش المشترك في أمة واحدة والسيطرة على انتشار الأوبئة الى التعاون من أجل حل مشكلات مشتركة بين جميع الأفراد على الكوكب مثل مشكلة السلاح النووي ومشكلات البيئة والاحترار الكوكبي الذي يهدد كل أشكال الحياة على الأرض.

معضلة السجين

في الخمسينيات من القرن الماضي وفي أوج الحرب الباردة فكر العديد من الحكماء في الطرق التي يمكن بها احتضان وتكريس التعاون بين الدول الأعداء بما يمنع وقوع حرب نووية تقضي على الكل. في بداية 1950 طرح رياضيان (ميرين فلود وملفن دريشر) يعملان في نظرية التنافس والألعاب ما أسمياه معضلة السجين كنموذج مبسط للحالة التي يمكن فيها تطوير التعاون بين طرفين أعداء بدون وجود سيطرة خارجية عليهم.
عادة ما تصاغ معضلة السجين على النحو التالي:
هب ان هناك اثنان (سين وصاد) تم القاء القبض عليهما عقب اشتراكهما في ارتكاب جريمة معاً ووضع كل منهما في زنزانة منفصلة ليتم التحقيق معهما كلاً على حدة. كل من سين وصاد عُرِضَ عليه أن يدلي بشهادته ضد رفيقه في مقابل التخلي عن اتهامه هو واطلاق سراحه. اذا وافق سين على الادلاء بشهادته سوف يطلق سراحه وسوف يسجن صاد سجن مؤبد. ولكن اذا رفض سين أن يشهد ضد صاد ووافق صاد على الشهادة ضده سوف ينعكس الوضع ويسجن سين مدى الحياة بينما يتحرر صاد. اما اذا شهد الاثنان كل منهما ضد الآخر فسوف يسجنان معاً ولكن مدة أقل لاشتراكهما في التهمة ولنقل عشر سنوات. بينما كل من سين وصاد يعلمان انهما لو تمسكا بالصمت ولم يشهد أحدهما ضد الآخر فسوف يأخذ كل منهما حكماً بخمس سنين لعدم وجود أدلة كافية لتوجيه اتهام أكبر.
الآن يطالب البوليس كل واحد مهما ان يأخذ قراره الآن وبدون أي اتصال بينهما، اذا كنت مكان سين ماذا ستفعل؟
ربما ستتبع الخط التالي في التفكير: إما أن صاد سوف يسكت أو يشهد ضدك وانت لا تعلم ايهما سيفعل لنفرض انه يخطط ان يشهد ضدك اذن من الأفضل أن تشهد أنت أيضا ضده (عشر سنين في مقابل مؤبد) واذا كان لا ينوي ان يشهد ضدك فربما من الأفضل أن تشهد ضده أيضاً (براءة في مقابل خمس سنين). يبدو أن في الحالتين الأفضل لك أن تشهد ضده، المعضلة الحقيقية ان صاد سوف يتبع نفس الخط في التفكير مما سينتج عنه أن كلاً من سين وصاد سوف يشهدان ضد بعضهما (عشر سنين لكل واحد) بينما لو ظل كل واحد منهما صامتا لكانت العقوبة (خمس سنين) فقط.
هذه هي مفارقة السجين، أن القرار الذي يقودك اليه المنطق في مصلحتك الشخصية لو اتخذه كل الأطراف المتنافسة أو المتعارضة سوف يعود في النهاية على الكل بنتائج أوخم من التي ستنشأ لو تعاون الأطراف، أو كما عبر عنها عالم السياسة روبرت أكسلورد “ان الحرص على المصلحة الشخصية في المواقف التنافسية يؤدي لنتائج سيئة على المجموع” ان هذه المفارقة او المعضلة تنطبق بشكل كامل على اي مجموعة من الافراد التي بحرصها الاناني على تحقيق مصلحتها الخاصة سوف تعود على المجموع بنتيجة أسوأ وهو ما اسماه الاقتصادي جاريت هاردن في صيغة شهيرة “مأساة العوام
لقد خضعت معضلة السجين وتنويعات لها لدراسات عديدة وكانت النتائج مفيدة وغيرت الكثير من تفكير متخذي القرار في المؤسسات ورجال الأعمال والحكومات (ربما لم تصل لنا بعد في عالمنا العربي) وعادة ما يتم صياغة المشكلة على هيئة لعبة والتي حسب نظرية الألعاب الرياضية يمكن صياغتها في صورة جدول المردود والذي يتضمن قيمة المردود على كل من اللاعبين في كل القرارات التي يمكن أن يتخذاها مستقلين ( بدون معرفة كل منهما لقرار الآخر أو اتفاق مسبق بينهما) كما هو موضح في الجدول التالي في حالة معضلة السجين التي تم شرحها سابقاً:
سين يشهد
صاد يشهد
سين يشهد
صاد يتعاون
سين يتعاون
صاد يشهد
سين يتعاون
صاد يتعاون
15 25 0 20 مردود سين
15 0 25 20 مردود صاد
هنا الهدف هو تحقيق أكبر مردود ممكن للمجموع والدورة الواحدة من اللعبة تتكون من اتخاذ كل لاعب مستقلاً قرار اما ان يتعاون (لا يشهد) أو أن يشهد بدون معرفة قرار الطرف الآخر. بمعنى أنه عند كل مرة من طرف السؤال على كل منهما بدون اتصال بينهما كل واحد منهما سوف يتخذ قراره اما أن يشهد ضد زميله أو يظل صامتاً. اذا قرر كل منهما ان لا يشهد (يتعاون) كل واحد سيأخذ 20 نقطة (مؤبد – 5سنين) أما اذا قرر سين أن يتعاون بينما قرر صاد أن يشهد ضده سوف يحصل سين على مؤبد (مؤبد – 25 = 0) بينما سيحصل صاد على براءة (25) والعكس بالعكس في حالة انعكاس الأدوار أما لو قرر كل منهما أن يشهد ضد الآخر فسوف يحصل كل منهما على (مؤبد – 10 = 15) نقطة. كما ذكرنا سابقاً لو كانت اللعبة لمجرد مرة واحدة فان القرار المنطقي من باب الحرص على المصلحة الشخصية أن كلاً منهما سيشهد ضد الآخر ولكن اذا تم تكرار اللعبة فان المحصلة النهائية أن الاثنان لو شهد كل منهما في كل دور سوف يحققان مردودا أقل بكثير من الاختيار الأول وهو أن يتعاونا. يكمن السؤال كيف ينشأ التعاون من التكرار والتعلم من التجربة السابقة؟
وسوف نستكمل طرح الحلول المختلفة في القريب.

الأربعاء، 23 أكتوبر 2013

التصميم الأكبر

أنتهيت للتو من قراءة الكتاب الأخير للفيزيائي الأشهر - ستيفن هوكنج – والذي كتبه بالمشاركة مع ليونارد ملودينوف الفيزيائي بكالتك، يبدآن الكتاب بطرح ثلاثة أسئلة محورية:

  • لماذا يوجد أي شئ بدلاً من العدم المطلق
  • لماذا نوجد نحن
  • لماذا هذه المجموعة بعينها من قوانين الطبيعة هي التي تحكم الكون الذي نحيا فيه The_grand_design_book_coverوليس مجموعة سواها

أعلم أن القارئ العربي غير مدرب على مثل هذا الطرح ولذا دعوني أمهد بوضع الأسئلة في سياقها الحضاري والتاريخي في الحضارة الغربية، ينطلق السؤال الأول من تساؤل قديم قدم الفلسفة اليونانية، وهي الاحتياج لسبب أول للوجود .. إذ أن الأصل في الوجود هو العدم والفراغ المطلق الخالي من كل شئ (أو هكذا تصوره الفلاسفة حينها) وبالتالي لابد من سبب لأن يصبح هناك شئ؛ سبب يمنح الأشياء وجودها وهكذا اختلفت التصورات والفلسفات والديانات في الاجابة على هذا السؤال عبر التاريخ ولكن يظل السؤال في صياغته تلك مرتبطاً أكثر بالمدافعين المسيحيين في الفكر الغربي عن فكرة الأله والذين يسموَّن – على نحو استهجاني من معارضيهم – بالاعتذاريين المسيحيين Christian apologists.

للإجابة على تلك الأسئلة ينطلق الكاتبان في رحلة مثيرة وممتعة عبر تقدم المعرفة العلمية على نحو سهل المسلك للقارئ العادي منذ اليونان القدامى حتى علم الكونيات الحديث. وكما هو معتاد في مثل هذه الاطلالات السريعة يركز الكاتبان على المعالم الرئيسية في التاريخ العلمي الحديث.

أولى هذه المعالم البارزة هي ادراك الأيونيين القدامى ان العالم محكوم بقوانين – تكرار الظواهر على نحو يسمح بالتنبؤ بها – بدلاً من خضوعه لنزوات آلهة الأوليمب وتلاعبهم بأقدار البشر كما تعكسه الأساطير اليونانية القديمة؛ هذا الادراك جرياً على التقليد الغربي في التأريخ المعرفي يعد في نظر الكاتبان البداية الحقيقية للعلم.

المعلم الثاني البارز الذي توقف عنده الكاتبان هو ما يسمى بالثورة الكوبرنيقية – وهي اكتشاف كوبرنيكوس أن الأرض ليست مركز الكون كما كان يُعتَقَد سابقاً وهذا فتح الباب للاسكتشاف الحقيقي للظواهر الكونية بربطه الاستنتاج العلمي بالمشاهدات والملاحظات التجريبية باعتبارها المعيار في الحكم على صحة الأفكار والاعتقادات عن الكون. 

ومضى كل شئ في تقدم مستمر – خطي لو جاز التعبير- عن طريق زيادة الدقة واكتشاف قوانين جديدة لا تختلف في منطلقاتها الأساسية عن مجموعة المبادئ العلمية التي أسست للعلم الحديث حتى جاء القرن العشرين بمجموعة من الصدمات التي هزت أركان الفكر العلمي واسلوب التفكير ذاته. جاءت الصدمة من تخصصين ناشئين الاول هو ميكانيكا الكم التي تتعامل مع دراسة الذرات والجسيمات الأصغر والثانية جاءت من النظريتان النسبية الخاصة والعامة والتي تشكل حتى الآن أفضل فهم متاح للجاذبية؛ تصدر هذان التخصصان المشهد في تغيير فهمنا للقوانين الكلاسيكية التي تحكم الكون والتي بالرغم منذ لك - كما يؤكد الكاتبان - لا زالت تحكم حياتنا اليومية ويمكن استخدامها في الحسابات بدقة فيما خلا التعامل مع الظواهر الصغيرة جداً (عالم ميكانيكا الكم) والكبيرة جداً (عالم النظرية النسبية العامة).

يشرح المؤلفان ميكانيكا الكم بطريقة سهلة وواضحة في لغة غير تقنية مستخدمين صياغة طورها اسطورة الفيزياء ريتشارد فاينمان والتي أسماها (الجمع عبر التواريخ). تعد صياغة فاينمان لميكانيكا الكم احدى الطرق المبتكرة في تناول الجانب المعضل في الظواهر الذرية وما دون الذرية وهي الاحتمالات. فمثلاً اذا تحرك الالكترون من حيث انت الآن الى باب الغرفة طبقاً لميكانيكا الكم لا يمكن تحديد دقيق لموقعه وسرعته في نفس الوقت، هناك عدم تحديد جذري لا يمكن التخلص منه ولا علاقة له بدقة القياس وتقوم ميكانيكا الكم بتحديد الاحتمالات الأغلب عن موقع الالكترون، ما ابتكره فاينمان هو انه يمكنك حساب هذا الاحتمال عن طريق جمع كل الاحتمالات الممكنة التي يمكن أن يصل بها الالكترون للباب من مكانك الحالي. يمكن ان يتحرك في خط مستقيم أو في دوائر متعددة قبل أن يصل الى الباب وربما وان كان احتمالاً غاية في الضآلة أن يذهب في رحلة خاطفة الى المريخ قبل أن يرجع الى باب غرفتك !!

بعد بناء هذه الأرضية، ينتقل هوكنج وملدينوف الى جوهر الكتاب، كيف يمكن الجمع بين نظرية الكم الاحتمالية وبين النسبية العامة الحتمية؟ وكيف أن هذا الجمع يمكنه ان يلقي الضوء على فهمنا لكيفية نشأة الكون ( وربما اكوان أخرى) من لا شئ. يمكن القول بأن أفضل وصف حالي موجود لفيزياء ذلك الحدث –كما يخبرنا المؤلفان- هي نظريات إم، وإم هنا اختصار لما أطلق عليه مبدعها الرياضي الفيزيائي (اللغز Mistery). تتنبأ النظريات تلك (لأن لها أكثر من نسخة وصياغة) بأن الكون الذي نحن فيه ربما لا يكون الكون الوحيد الموجود وانما يوجد عدد هائل من تلك الأكوان.

النتائج التي تستتبعها تلك النظريات تهز في جوهرها كل ما ألفناه عن الكون، اذ من بين كل الأكوان التي يمكن أن توجد لابد وأن يوجد عدد منها تسمح قوانينه بالحياة وتكوين الكواكب. وحقيقة أننا هنا فعلاً تخبرنا أن في هذا الركن من (الأكوان المتعددة) أحد هذه الأكوان التي يمكن لنا أن نوجد فيها وبهذه الطريقة كل أسئلة الأصول الأولى يمكن الاجابة عنها. 

الحري بالقول أن النظرية مبنية على افتراض رياضي لم يتم التحقق منه تجريبياً كما أن النتائج المترتبة عليه من مسألة تعدد الأكوان لا يوجد حتى الآن طريقة تجريبية للتحقق منها.

اللافت أن مؤلفا الكتاب نجحا في شرح مفاهيم شديدة الصعوبة رياضياً وبدرجة من التبسيط يحسدا عليها ولم يلجئا لمعادلة واحدة في الكتاب الذي امتدت صفحانه عير 288 صفحة.  

الثلاثاء، 13 ديسمبر 2011

نحو مفهوم الليبرالية

 

" الليبرالية هي رؤية سياسية مبنية على تحقيق مُثُل التقدم المجتمعي وتكريس وحماية الحريات المدنية وسيادة القانون والحكومة بالتوافق بوسائل دستورية معتدلة.

هذا التعريف غالبا هو الذي يعرفه المتعاطفون معه في البلد الذي شهد مولد الليبرالية -تحديدا انجلترا- وكذلك البلاد المتأثرة بالتراث الإنجليزي، جاءت الصياغة الأولى للفكرة في أطروحات فيلسوف القرن السابع عشر جون لوك (1632-1704) عن الحكومة والتسامح.

في فرنسا تتجه تعريفات الليبرالية للتأكيد على العلمانية والمساواة الكاملة بين المواطنين، في أمريكا تحمل الكلمة ضمنيا معاني انتقاصيه في نظر الجناح اليميني بالتلميح الاستهجاني الى العلمانية والتوجهات الاقتصادية والسياسية اليسارية وربطها بالدفاع عن الحريات الشخصية من النوع الذي يشعل المعارضة اليمينية مثل حرية الإجهاض.

يعد مفهوم الحرية المفهوم المركزي في الليبرالية، ففي نظر المبشرون الكبار بالليبرالية مثل جون لوك وجون ستيوارت ميل حرية الفرد هي مسلمة مبدأيه وأي شخص يطالب بالتقليص من الحرية الفردية بأي شكل ملزَم بتقديم تبرير لا تشوبه شائبة لهذا التقليص وهذا يعني أن حتى فكرة الحكومة لابد من تبريرها. وكمثال للتبرير المطلوب لفكرة الحكومة جاءت نظرية "العقد الاجتماعي" التي طرحها منظرون مثل توماس هوبز وجان جاك روسو الذين جادلوا أنه في حالة الحرية الفردية المطلقة والعامة -باختصار الفوضى- سوف يفترس القوي الضعيف وبالتالي سوف ينحدر المستوى الإجمالي للحياة. بالتالي فإن الأفراد بتنازلهم الاختياري عن بعض من حريتهم سوف -في المقابل- يستفيدون بحماية ومساعدة المجتمع الذي ينضمون أعضاءا اليه وهذه الاستفادة هي ما يبرر فكرة الحكومة." 1 

 


المراجع

1)  آ. سي. جرايلنج "أفكار مهمة - دليل شخصي للقرن الواحد والعشرين "